الشوكاني
134
فتح القدير
رقوني وقالوا يا خويلد لم ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم أي أهم هم ، وقول الآخر : لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمانيا أي أبسبع ، وقيل المعنى : وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول ، وقيل المعنى على حذف مضاف : أي هذا دليل ربي ( فلما أفل ) أي غرب ( قال ) إبراهيم ( لا أحب الآفلين ) أي الآلهة التي تغرب ، فإن الغروب تغير من حال إلى حال ، وهو دليل الحدوث ( فلما رأى القمر بازغا ) أي طالعا ، يقال بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ، والبزغ : الشق كان يشق بنوره الظلمة ( فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ) أي لئن لم يثبتني على الهداية ويوفقني للحجة ( لأكونن من القوم الضالين ) الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم ويحرمونها حظها من الخير ( فلما رأى الشمس بازغة ) بازغا وبازغة منصوبان على الحال ، لأن الرؤية بصرية ، وإنما ( قال هذا ربي ) مع كون الشمس مؤنثة ، لأن مراده هذا الطالع قاله الكسائي والأخفش - وقيل هذا الضوء ، وقيل الشخص ( هذا أكبر ) أي بما تقدمه من الكوكب والقمر ( قال يا قوم إني برئ مما تشركون ) أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله وتعبدونها ، وما موصولة أو مصدرية ، قال بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضر مستدلا على ذلك بأفولها الذي هو دليل حدوثها ( إني وجهت وجهي ) أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عز وجل ، وذكر الوجه لأنه العضو الذي يعرف به الشخص ، أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدم . وقد تقدم معنى ( فطر السماوات والأرض حنيفا ) مائلا إلى الدين الحق . قوله ( وحاجه قومه ) أي وقعت منهم المحاججة له في التوحيد بما يدل على ما يدعونه من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة ، فأجاب إبراهيم عليه السلام بما حكاه الله عنه أنه قال ( أتحاجوني في الله ) أي في كونه لا شريك له ولا ند ولا ضد . وقرأ نافع بتخفيف نون أتحاجوني . وقرأ الباقون بتشديدها بإدغام نون الجمع في نون الوقاية ونافع خفف فحذف إحدى النونين ، وقد أجاز ذلك سيبويه . وحكى عن أبي عمرو بن العلاء أن قراءة نافع لحن ، وجملة ( وقد هداني ) في محل نصب على الحال ، أي هداني إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية . قوله ( ولا أخاف ما تشركون به ) قال : هذا لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه : أي إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع ، والضمير في به يجوز رجوعه إلى الله وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما في ( ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ) أي إلا وقت مشيئته ربي بأن يلحقني شيئا من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه . وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضر ولا تنفع . والمعنى : على نفي حصول ضرر من معبوداتهم على كل حال . وإثبات الضرر والنفع لله سبحانه وصدورهما حسب مشيئته ، ثم علل ذلك بقوله ( وسع ربي كل شئ علما ) أي إن علمه محيط بكل شئ ، فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته ، وإذا شاء إنزال شر بي كان ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . ثم قال لهم مكملا للحجة عليهم ودافعا لما خوفوه به ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) أي كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق . والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله ، وهو الضار النافع الخالق الرازق ، أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصا ولا متحولا ، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم . و ( ما ) في ( ما لم ينزل به عليكم سلطانا ) مفعول أشركتم : أي ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطانا شركاء لله ، أو لمعنى أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له ولا نزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها ، فكيف عبدوها واتخذوا آلهة وجعلوها شركاء لله سبحانه ؟